عبد الله بن أحمد النسفي

67

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 69 إلى 71 ] ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا ( 69 ) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها صِلِيًّا ( 70 ) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ( 71 ) 69 - ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ طائفة شاعت أي تبعت غاويا من الغواة أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمنِ عِتِيًّا جرأة أو فجورا ، أي لنخرجنّ من كلّ طائفة من طوائف الغيّ أعتاهم فأعتاهم ، فإذا اجتمعوا طرحناهم في النار على الترتيب نقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم ، وقيل المراد بأشدّهم عتيا الرؤساء لتضاعف جرمهم لكونهم ضلّالا ومضلّين ، قال سيبويه : أيهم مبني على الضمّ لسقوط صدر الجملة التي هي صلته وهو هو من هو أشدّ ، حتى لو جيء به لأعرب بالنصب ، وقيل أيهم هو أشدّ وهذا لأنّ الصلة توضح الموصول وتبيّنه كما أنّ المضاف إليه يوضح المضاف ويخصّصه ، فكما أنّ حذف المضاف إليه في من قبل يوجب بناء المضاف وجب أن يكون حذف الصلة أو شيء منها موجبا للبناء وموضعها نصب بننزع ، وقال الخليل : هي معربة وهي مبتدأ وأشدّ خبره ، وهو رفع على الحكاية تقديره لننزعنّ الذين يقال فيهم أيهم أشدّ على الرحمن عتيا ، ويجوز أن يكون النزع واقعا على من كلّ شيعة كقوله : وَوَهَبْنا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنا « 1 » أي لننزعنّ بعض كلّ شيعة ، فكأنّ قائلا قال : من هم ؟ فقيل أيهم أشدّ عتيا ، وعلى يتعلق بأفعل أي عتوّهم أشدّ على الرحمن . 70 - ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلى بِها أحقّ بالنار صِلِيًّا تمييز ، أي دخولا ، والباء تتعلق بأولى . 71 - وَإِنْ مِنْكُمْ أحد إِلَّا وارِدُها داخلها ، والمراد النار ، والورود : الدخول عند عليّ وابن عباس رضي اللّه عنهم ، وعليه جمهور أهل السنة لقوله تعالى : فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ « 2 » ولقوله تعالى : لَوْ كانَ هؤُلاءِ آلِهَةً ما وَرَدُوها « 3 » ولقوله : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا « 4 » إذ النجاة إنما تكون بعد الدخول لقوله عليه السّلام : ( الورود الدخول لا يبقى برّ ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم وتقول النار للمؤمن : جز يا مؤمن فإن نورك أطفأ لهبي ) « 5 » وقيل الورود بمعنى الدخول لكنه يختص بالكفار لقراءة ابن عباس وإن منهم ، وتحمل القراءة

--> ( 1 ) الآية 50 من هذه السورة . ( 2 ) هود ، 11 / 98 . ( 3 ) الأنبياء ، 21 / 99 . ( 4 ) الآية 72 . ( 5 ) أحمد وابن أبي شيبة .